السيد محمد الصدر
58
تاريخ الغيبة الصغرى
ومرّ قرن ثالث يمتاز بالظلم والثورات وتحكم المماليك . ولكن الإمام الذي كانوا يرتجون ظهوره لم يظهر . وجاء دور الحروب الصليبية التي اشترك ( آل البيت ) فيها دون أن يكون لهم إمام . فمن الجانب الإسلامي ، كانت السلطة لاعلان الجهاد تنحصر بيد بني العباس والفاطميين المارقين في مقاومة الجيوش الغازية للشعوب المسيحية بالاسم في أوروبا ، ولكن الإمام أخّر ظهوره . وبعد مرور أربعة قرون على وفاة آخر الوكلاء في القرن الثالث عشر - يعني الميلادي - اجتاح الغزاة المغول بلاد إيران يقتلون ويهدمون بقساوة لا مثيل لها . وبالرغم من التخريب والآلام فان ( صاحب الزمان ) المنتظر بفارغ الصبر لم يظهر . وحتى في ابتداء القرن السادس على زمن شيوخ أذربيجان والدولة الصفوية الجديدة ، لم يتصل الامام الغائب بشيعته إلا بالطيف ! فكان يظهر لهؤلاء الملوك ، كما يدعون ! ! » « 1 » . وبالرغم من أن في هذا الكلام عدة نقاط محتاجة لإعادة النظر ، إلا أن المهم الآن مناقشة الإشكال الرئيسي الذي يثيره ، وهو استبعاد وجود الإمام من عدم ظهوره عند الحاجة لأجل رفع الظلم عن قواعده الشعبية خاصة ، والمسلمين عامة . وقد اتضح الجواب على ذلك مما سبق أن قلناه متمثلا في عدة وجوه : أولا : أننا يجب أن لا نتوقع من الإمام المهدي ( ع ) الظهور الكامل ، تحت أي ظرف من الظروف ، باعتباره مذخورا لنشر العدل الكامل في العالم كله ، لا لرفع المظالم الوقتية أو الاتصال بأشخاص معينين . وقد عرفنا أن الإسراع بالظهور قبل أوانه يوجب جزما فشل التخطيط الإلهي لليوم الموعود . لأن نجاحه منوط بشروط معينة وظروف خاصة لا تتوفر قبل اليوم الموعود جزما . وقد عرفنا أن كل ما أعاق عن نجاحه لا يمكن وجوده بحسب إرادة اللّه تعالى وإرادة المهدي ( ع ) نفسه ، مهما كان الظرف مهما وصعبا . ثانيا : أننا نحتمل - على الأقل - أن المهدي ( ع ) يرى أن بعض الظلم الذي كان
--> ( 1 ) عقيدة الشيعة لرونلدسن ، ص 348 - 349 .